رد: بوادي العرب
بدو عنزة : تشكل عنزة السواد الأعظم للسكان البدو في الجزيرة العربية وقد يختلط الأمر على كثير من الكتاب بشأن عنزة ، فالرأي السائد يقول : هم قبيلة تعرف بقبيلة عنزة ، وبعضهم يستنتج أن عنزة من عرقين مختلفين ، أو أنهم من عشائر مختلفة تشكل تجمع عنزة والكثيرون وقعوا في هذا الخطأ ، فعنزة لم تكن قبيلة عادية ، فهم أناس ذو شأن ، وقبيلة منفصلة ومتميزة من العرق العربي العظيم ، فهم أكثر عدداً وأكثر نفوذاً بين كل قبائل البدو التي سكنت الصحراء ، وهم البدو بكل ما يعنيه المصطلح من معنى ، إنما لا يدعون أنهم الطبقة الأرستقراطية الوحيدة في الجزيرة العربية .
يعود تاريخ عنزة إلى فترة مبكرة جداً من تاريخ المنطقة ، فجدهم مؤسس القبيلة كان عنزة بن أسد بن ربيعه الفرس الابن الثالث لنزار بن معهد بن أد بن عدنان "أنظر سلاله قيدار" وقد سكن بدو عنزة خيبر في الصحراء بين إقليمي الحجاز ونجد ، ويعتبر البدو ديارهم جزءاً من نجد ، ومضت عصور عديدة قبل أن يدونهم التاريخ كقبيلة متميزة ، ويبدو أن القبيلة شاركت في صنع الأحداث خارج حدود المنطقة التي تسكنها ، في المناطق المجاورة لها مباشرة ، وعندما ازدادت أعداد عنزة وكثرت قطعان مواشيهم ، تواصلت هجراتهم ، وأصبحوا في وقت من الأوقات يسيطرون على المراعي من ساحل الإحساء على الخليج العربي حتى الحجاز ، ويملكون الآبار التي هي في نعظمها اليوم ملكاً لعنزة ، ودامت هذه السيطرة حتى الفترة التي أسس فيها الوهابيون دولة في نجد في بداية هذا القرن وكان بدو عنزة من العرب الذين يرعون في مراعي نجد ، وقبل هذا التاريخ كانت ثورة عنزة في تزايد كبير ، فبدأت بطونهم تهاجر إلى الجزء الشمالي من الصحراء ، من امتلاك المراعي ، ونادراً ما فشلت في مساعيها بهذا الشأن .
توالت الهجرات يوماً بعد يوم ، وبدلاً من أن ترعى قطعانهم خلال الربيع في نجد أخذ بعضها يرعى في البوادي بين سوريا والفرات ، ثم يعدون جنوباً في الشتاء فيوفر لهم هذا فرصاً كبيرة للتزود بالحبوب والسلع الأخرى من السكان القاطنين وسط الجزيرة العربية ، ومن القرى الصغيرة التي هي عند حدود الصحراء ، وهؤلاء يصفهم بوركهارت بأنهم من التجار الصغار ، والمزارعين الذين يزرعون النخيل . يأتي التجار المتجولون بالبضائع من مدن سوريا ومن المدن الأخرى في الجزيرة العربية ، فيقايضون منتجات عنزة بالحبوب والبضائع ، ويعودون لاستيرادها من تجار المدن الحدودية السورية مثل : دمشق وحماه وحمص ، وحلب ، بعد أن أصبحت في متناول اليد يسهل الوصول إليها أكثر من الوصول إلى جده أو مكه ، وثم بطون عديدة من عنزة كانت لها مراعي مميزة وتتجار مع مدن مختلفة يمكن الوصول إليها ، دون أن تتضارب مصالح هذه البطون المختلفة مع بعضها ، إن هذه الدوائر المتصلة من الهجرات كان لها الفضل في جعل القبائل على اتصال دائم مع الأتراك ، فاستمرار التجارة المتبادلة بين عنزة والتجار يتطلب اتفاقية معينه يجب أن تبرم مع الموظفين الأتراك الذين هم بالأساس مع العدالة وقانون الدولة ، بينما يعتبرهم البدو متعصبين ظلمة غير عادلين ، والبدو عادة لا يلتزمون بشروط الاتفاق ، فتعاني التجارة من ذلك وتتأثر في غالب الأحيان ، وعلمت أن أرباح التجارة مع قبائل الصحراء يستأثر بها تجار حلب فقط ، وقد بلغت " 50000 " جنية في العام الواحد ، وقد هبطت دون هذا المستوى في الوقت الحاضر ، وفي بعض السنوات يصبح التبادل التجاري نادراً ، عندما يستهلك بدو عنزة المراعي ينتقون إلى أماكن أخرى مفضلين الحرمان على الإبتزاز ، وبرما يضطرون إلى شراء الحبوب من إخوانهم البدو القاطنين على حدود سوريا وعلى طول نهر الفرات ، كما تزودهم مدن الفرات الأدنى بالتمور خاصة ، إن الابتزاز والقيود التي تفرضها الحكومة التركية هي بتقديري السبب وراء الكثير من الاضطرابات والحروب بين العرب والأتراك ، فالبدو لا يترددون في اغتنام أي فرصة سانحة للتهرب من دفع الضرائب التي فرضت عليهم عنوه ، والبدو والأتراك هم بطبيعة الحال في مواجهة بشكل دائم .
لقد وجدت النزعة الفطرية ، والشعور السامي بالأصل ، والافتخار به ، تبلغ ذروتها عند عنزة ، مما يجعلاهم يحتكرون الأتراك ، ويعدونهم من سلالة مختلفة عنهم ، وعلى الرغم من الإجراءات الاضطهادية المغتصبة فالأتراك ليسوا دائماً الرابحين من تعطيل التجارة ، وكثيرا ما يقوم العرب بترك عداد معينه من الإبل رهينه عند الترك كعربون للنية الحسنة ، وإذا حدث خرق للاتفاق ، أو الامتناع عن إعادة الرهن ، فإن البدو يعدون ثانياً إلى المناطق المجاورة للمدن ، يسوق ما يملكون ومعهم الشيء الكثير ، مما يسبب تعقيدات واختلافاً يطول في السنوات المقبلة كلها ، ولهذا فإن السياسة بين العرب والأتراك لا تتحسن ، ومع ذلك بقيت هجرات عنزة متسمرة متزايدة فالقبائل التي هاجرت أولاً أصبحت محاربة تعرف المنطقة ، وتحيا حياة الرعي أكثر من قبائل التي هاجرت في وقت لاحق ، والقبائل المهاجرة الأولى عليها أن تكافح لتوطيد سيادتها على المراعي ، وتواجه كافة الأحداث المحتملة ، إن هذه القبائل القليلة هي صانعة المغامرة الأولى ، بينما القبائل الصغيرة قد لا تعود جنوباً لقضاء الشتاء في نجد ، فتستقر في الصحراء الشمالية طوال العام ، أما القبائل الكبيرة المالكة للكثير من القطعان ، فإنها تعود لتمضي الشتاء في الجنوب ، وهناك أمثلة لقبائل كبيرة هاجرت إلى الشمال عدة سنوات ثم أخذت تعود إلى الجنوب طلباً للرزق ، وجماعات من القبائل قد لا تعود إلى الشمال ثانية ، وبشكل عام تعد عنزة قبيلة مهاجرة بانتظام , وهجراتها تماثل هجرات طائر السنونو , فقبل وقت طويل من الهجرة تتقدم القبيلة نحو الشمال فوق ارض واسعة من وسط الجزيرة العربية , وتتفرع بعدها إلى قبائل جديدة .
تمتلك عنزة وبعض القبائل الأخرى الخيول العربية الأصلية , وهذه حقيقة مؤكدة ثابتة معروفة بين البدو على امتداد الجزيرة العربية ، وباعتبار أن الخيول العربية الأصيلة تشكل موضوعاً منفصلاً ، فقد افردت لها جزءاً خاصاً من هذا الكتاب ، ولهذا لن أتعرض لهذا كثيراً في هذا الفصل .
|